الواحدي النيسابوري

366

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

قال أبو إسحاق الزجّاج : وهذا القول بيّن ؛ لأنّ الذي نعرفه من الكرسىّ في اللّغة : هو الشئ الذي يعتمد عليه ويجلس عليه ، وهذا يدلّ على أن الكرسىّ عظيم عليه السّماوات والأرضون . وقال بعضهم : ( كُرْسِيُّهُ ) : سلطانه وملكه . ويكنى عن الملك بالكرسىّ . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : وسع علمه السماوات والأرض « 1 » . وقال أبو إسحاق الزجاج : اللّه أعلم بحقيقة الكرسىّ إلّا أنّ جملته أمر عظيم من أمره . وقوله : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما أي : لا يثقله ولا يجهده . يقال : آده يئوده أودا « 2 » ؛ إذا أثقله . وقوله : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ يقال : علا يعلو علوّا فهو عال وعلىّ ، مثل : عالم وعليم وسامع وسميع ، فاللّه تعالى علىّ بالاقتدار ونفوذ السّلطان ، وعلىّ عن الأشباه والأمثال . يقال : علا فلان عن هذا ؛ إذا كان أرفع محلّا عن الوصف به . فمعنى « العلوّ في وصف اللّه تعالى » : اقتداره وقهره واستحقاقه صفات المدح . و « الْعَظِيمُ » معناه : أنّه عظيم الشّأن لا يعجزه شئ ، ولا نهاية لمقدوره ومعلومه . 256 - قوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال ابن عباس ومجاهد / وقتادة وغيرهم : معنى الآية : لا إكراه في الدّين بعد إسلام العرب . وذلك أنّ العرب كانت أمّة أمّية لم يكن لهم دين ولا كتاب ، فلم يقبل منهم إلّا الإسلام أو السّيف وأكرهوا على الإسلام ، ولم تقبل منهم الجزية ، فلما أسلموا ولم يبق منهم أحد إلّا دخل في الإسلام طوعا ، أو كرها ؛ فأنزل اللّه هذه الآية ؛ فلا يكره على الإسلام أهل الكتاب ، فإذا أقرّوا بالجزية تركوا .

--> ( 1 ) كما في ( الوجيز للواحدي 1 : 73 ) و ( تفسير ابن كثير 1 : 457 ) وفي ( تفسير البحر المحيط 2 : 2 : 280 ) و ( الفخر الرازي 2 : 328 ) « أن الكرسي هو العلم لأن العلم موضع العالم وهو الكرسي : فسميت صفة الشئ باسم مكان ذلك الشئ على سبيل المجاز ، لأن العلم هو الأمر المعتمد عليه ، والكرسي هو الشئ المعتمد عليه » وانظر ( الكشاف 1 : 278 - 279 ) . ( 2 ) انظر ( اللسان - مادة : أود ) و ( مجاز القرآن لأبى عبيدة 1 : 78 ) و ( المفردات للأصفهاني 30 ) .